الخطيب الشربيني
44
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع
عن نقلها لأنه عرضها للتلف . نعم إن نقلها يظن أنها ملكه ولم ينتفع بها لم يضمن . وكأن يودعها غيره ولو قاضيا بلا إذن من المودع ولا عذر له لأن المودع لم يرض بذلك بخلاف ما لو أودعها غيره لعذر كمرض وسفر ، وله استعانة بمن يحملها لحرز أو يعلفها أو يسقيها لأن العادة جرت بذلك ، وعليه لعذر كإرادة سفر ومرض ردها لمالكها أو وكيله فإن فقدهما ردها للقاضي ، وعليه أخذها فإن فقده ردها الأمين ولا يكلف تأخير السفر . ويغني عن الرد إلى القاضي أو الأمين الوصية بها إليه ، فهو مخير عند فقد المالك ووكيله بين ردها للقاضي والوصية بها إليه ، وعند فقد القاضي بين ردها للأمين والوصية بها إليه . والمراد بالوصية بها الاعلام بها ، والامر بردها مع وصفها بما تتميز به أو الإشارة لعينها ، ومع ذلك يجب الاشهاد كما في الرافعي عن الغزالي ، فإن لم يردها ولم يوص بها لمن ذكر كما ذكر ، ضمن إن تمكن من ردها أو الايصاء بها لأنه عرضها للفوات ، وكأن يدفنها بموضع ويسافر ولم يعلم بها أمينا يراقبها لأنه عرضها للضياع ، بخلاف ما إذا أعلم بها من ذكر لأن إعلامه بها بمنزلة إيداعه فشرطه فقد القاضي ، وكأن لا يدفع متلفاتها كترك تهوية ثياب صوف أو ترك لبسها عند حاجتها لذلك وقد علمها لأن الدود يفسدها بترك ذلك ، وكل من الهواء وعبوق رائحة الآدمي بها يدفعه ، أو ترك علف دابة - بسكون اللام - لأنه واجب عليه لأنه من الحفظ ، لا إن نهاه عن التهوية واللبس والعلف فلا يضمن لكنه يعصي في مسألة الدابة لحرمة الروح ، فإن أعطاه المالك علفا علفها منه وإلا راجعه أو وكيله ليعلفها أو يستردها ، فإن فقدهما راجع القاضي ليقترض على المالك أو يؤجرها أو يبيع جزءا منها في علفها بحسب ما يراه ، وكأن تلفت بمخالفة حفظ مأمور به كقوله : لا ترقد على الصندوق الذي فيه الوديعة فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه بانكساره ، لا إن تلف بغيره كسرقة فلا يضمن ، ولا إن نهاه عن قفلين فأقفلهما لأن رقاده وقفله ذلك زيادة في الحفظ . ثم شرع في الحكم الثاني وهو الرد بقوله : ( وقول المودع ) بفتح الدال ( مقبول في ردها على المودع ) بكسرها بيمينه وإن أشهد عليه بها عند دفعها لأنه ائتمنه . تنبيه : ما ذكره المصنف يجري في كل أمين كوكيل وشريك وعامل قراض وجاب في رد ما جباه على الذي استأجره للجباية كما قاله ابن الصلاح . وضابط الذي يصدق بيمينه في الرد هو كل أمين ادعى الرد على من ائتمنه صدق بيمينه ، إلا المرتهن والمستأجر فإنهما لا يصدقان في الرد لأنهما أخذا العين لغرض أنفسهما ، فإن ادعى الرد على غير من ائتمنه كوارث المالك ، أو ادعى وارث المودع - بفتح الدال - رد الوديعة على المالك ، أو أودع المودع عند سفره أمينا فادعى الأمين الرد على المالك ، طولب كل ممن ذكر ببينة بالرد على من ذكر إذ الأصل عدم الرد ولم يأتمنه . القول في ما يجب على الوديع ( وعليه ) أي الوديع ( أن يحفظها ) أي الوديعة لمالكه أو وارثه ( في حرز مثلها ) فإن أخر إحرازها مع التمكن أو دل عليها سارقا بأن عين له مكانها وضاعت بالسرقة ، أو دل عليها من يصادر المالك بأن عين له موضعها فضاعت بذلك ضمنها لمنافاة ذلك للحفظ بخلاف ما إذا أعلم بها غيره . فلو أكره الوديع ظالم على تسليم الوديعة حتى سلمها إليه فللمالك تضمين الوديع لتسليمه ثم يرجع على الظالم لاستيلائه عليها ، ويجب على الوديع إنكار الوديعة من الظالم والامتناع من إعلامه بها جهده ، فإن ترك ذلك مع القدرة عليه ضمن وله أن يحلف على ذلك لمصلحة حفظها . قال الأذرعي : ويتجه وجوب الحلف إذا كانت الوديعة رقيقا والظالم يريد قتله أو الفجور به ، ويجب أن يوري في يمينه إذا حلف وأمكنه التورية وكان يعرفها لئلا يحلف كاذبا ، فإن لم يور كفر عن يمينه لأنه كاذب فيها . فإن حلف بالطلاق أو العتق مكرها عليه أو على اعترافه